الأحد، نوفمبر 21

الشرق في الفن التشكيلي

تعد ظاهرة الاستشراق في الفن والادب، من اكثر الظواهر الثقافية والتاريخية، مدعاة للتأمل والدراسة، وقد ابتدأت تلك الظاهرة منذ قرون عدة ولم تنته حتى الان، فقد سبق لاسماء مهمة في الفن التشكيلي العالمي ان وقفت مدهوشة امام سحر وجمال وشمس بلادنا المتفردة، الجميلة، وامام الخصائص البيئية والحضارية والمعمارية والانسانية التي تتميز بها، فقاموا بتسجيل دهشتهم وانبهارهم في لوحات فنية شهيرة، بعضها نقل عن الواقع مباشرة، وبعضها الاخر، نسجه الخيال الخصب المشبع باساطير وحكايا الشرق الغامض الساحر، ومن المعتقد ان كتاب (الف ليلة وليلة) وقصص شهرزاد، كانا اول الطريق الى الاستشراق وانتشار حركته في الغرب، بل ان مصدر الهام الكثير من الفنانين كان اسلاميا مما شاهدوه في الاندلس اضافة الى العالم الخيالي الواسع المستمد من الف ليلة وليلة.
والحقيقة، وعقب ترجمة هذا الكتاب الى عدة لغات اوروبية، وبعض الكتب الاخرى التي تتحدث عن الشرق وتصفه من خلال رحالة ومستشرقين، او تلك التي وضعها اوروبيون لم يغادروا بلادهم بتأثير القراءة او السمع اوالعدوى والتقليد، ومن الفنانين العالميين الذين تأثروا ببلادنا العربية وتراثها وفرادتها ومناخها (دولاكروا) و(ماتيس) و(بول كلي) وغيرهم.
لقد وجد هؤلاء في المشرق والمغرب العربيين، مادة غنية لفنهم، كما وجدوا في سحر الشرق المفعم بالحكايا والاساطير والغموض المثير، نبعا تموج به الحياة وتتجد، وتستشرف من خلاله الروح، قيما انسانية زاخرة متجددة، افتقدها الغرب في زحمة تطوره التكنولوجي المتسارع والمخيف بعد الثورة الصناعية، وافتقدها الفنانون والادباء والشعراء الغربيون خاصة، مما دفعهم للبحث عن غذاء للروح، ومادة حقيقية للابداع في المشرق مهد الحضارات ومنبع الرسل، والمعين النير للقيم الانسانية والحضارية النبيلة.
وهكذا تحول المشرق الى وحي وملهم لعدد كبير من الفنانين والادباء والشعراء الغربيين، فقد تناول الفنانون المستشرقون في لوحاتهم واعمالهم الفنية التشكيلية بشكل عام، المساجد والحارات ومظاهر الفروسية والصحارى والطبيعة والانسان العربي بلباسه الشعبي التقليدي وتناولوا المدن كالقدس ودمشق والقاهرة وبيروت، اضافة الى تصوير الاقنان والحريم ومشاهد الطرب المستوحاة من حكايا الف ليلة وليلة.
لقد رصد الفنانون الغربيون جملة هذه المظاهر، بلغة فنية كلاسيكية رصينة شديدة، الاتقان، تذكرنا بالمعلمين الكبار من الفنانين التشكيليين الذين وصلوا في فنهم الى تقنية عالية في تصوير الواقع، وصلت الى حد الاعجاز المدهش والمثير.
وقد كان للعمارة العربية الاسلامية وتاريخ الفن العربي الاسلامي، ومازالا موضع اهتمام كبير لدى الغربيين، فمنذ عام 1480 وفد الى عاصمة الدولة العثمانية الفنان الايطالي الشهير (جنتيلي بلليني) قادما من البندقية بناء على طلب السلطان محمد الثاني، وفي القسطنطينية اقام (جنتيلي) عامين لقي خلالهما الترحاب والتقدير، وعاش معالم حضارة غريبة كان يكتنفها الغموض والسر، وكانت العادات والازياء وطرز العمارة والزخرفة والنمنمات الفنية، موضوعات جديدة بقيت زاده في بلاده واصبحت مصدر الهام لكثير من الفنانين الذين جاؤوا بعده، وخاصة معاصره (كارباشيو) الذي صور متخيلا، مسجد عمر والمسجد الاقصى، كما رسم الناس بالازياء الشعبية العربية، كذلك فعل (فيرونير) عندما كسا بعض شخوصه العرب بقماش البروكار، وحاول ان يتخيل الطابع الصحيح على اقرب وجه، ولقد استهوت الملابس العربية البهية الانيقة الغربيين حتى انهم كانوا يتحلون بها او يقلدونها في لباسهم، ويبدو ذلك في لوحة الفنان (لاجيليه) او في لوحة (الكونت فيرجين) بالباس التركي.
ولقد كانت الحروب التي تمت بين الغرب والعرب مصدرا لموضوعات بعض الفنانين نذكر منهم لوحة (المدافعون عن القاهرة) للفنان (جيروده) و(المصابون بالطاعون في يافا) للفنان (لغيرو) على ان الفنان الفرنسي (دولاكروا) وهو زعيم الرومانتيكيين كان اكثر اهتماما بتتبع اسرار الشرق العربي. فلقد سافر الى المغرب، الى طنجة ومكناس، والى وهران والجزائر، واقام في هذه المدن ما يزيد على خمسة شهور، يزود نفسه وخياله بما شاهده وعاشه، وقد بقي (دولاكروا) ينهل من كنوز ما ادخره في اقامته حتى نهاية حياته، تاركا اروع اللوحات الشرقية العربية.
لذا فان الشرق كان هو عالم الاحلام الذي يتوافق او يندمج في عالم الواقع، وقد سعى هؤلاء الرحالة والفنانون، عن طريق التجاوب في المشاعر، الى التوغل في جوهر الحضارة الشرقية، ومما لاشك فيه ان ابداعات الرحالة ومشاهدات الحجيج وتقارير الباحثين والارساليات و القناصل والخبراء، وضغوط المصالح السياسية، خاصة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، قد اسهمت في ازدياد كثافة الوعي العام بالشرق ومنذ سنوات بعيدة والغرب يتطلع الى اكتشاف الاخر، وقد تطور هذا التطلع الى رغبة في اتصال مباشر وفيزيقي مع: الغريب والعجيب والمثير جدا!!
في عام 1842 تحدث (ادجار كينيه) عن نهضة شرقية حاملة للانسانية الجديدة، وهكذا تبدلت الرؤية الاستشراقية، خاصة بعد عام 1860، بينما فقد الحلم الرومانسي سحره وجاذبيته، ومع تطور الابحاث الخاصة بالضوء واختراع الة التصوير، تنامى التيار الواقعي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مما ادى الى التجديد في الرؤية والتعبير عن الشرق بالرسم والتصوير الضوئي، ووضحت الرغبة في فهم وتحديد، مشهد ما، على حقيقته دون تجميل او تزييف، واهتم الفنانون بتقديم مشاهد حقيقية بتفصيلات وتركيبات محددة امينة وصادقة. ومع بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر، تغلب التيار الواقعي للتصوير الاستشراقي، وتبدلت المفاهيم والمعاني، فكان للتيار الرومانسي سمة بارزة.
ولكن منذ العام 1870 لم يعد الفن الاستشراقي مقتصرا على الفرنسيين والبريطانيين فحسب، فعقب الحرب ضد بروسيا، استقبلت باريس عددا كبيرا من الفنانين الاوروبيين والاميركان. والحقيقة انه كان للشرق جاذبيته الخاصة، بالنسبة للفنانين الغربيين، وذلك بوصفه عالم اساطير شهرزاد والف ليلة وليلة، والجزء المحرم من حياة الشرقي، هو في ذاته يفسر العلاقة الرومانسية بالمرأة التي هي بالنسبة للفنان رافد جمالي مثير للابداع، ومما لاشك فيه ان فكرة (الحريم) كانت تعابث خيال الفنان الاوروبي كلما تذكر الشرق، وتجعله اسير حلم يرى نفسه فيه سلطانا محاطا بعدد من الغيد الحسان، وكان لبعض هؤلاء الفنانين محاولاتهم للتغلغل في عمق ظاهرة الحريم، وتعرية هذا العالم المقدس، للوصول الى الحقيقة، الى سر الحذر، والبيوت المغلقة من الخارج، المفتوحة على ايوان تطل منه السماء من الداخل ولقد حاول (دولاكروا) الرومانسي، الارتقاء بصورة المرأة الشرقية، الهة كل الفنون، والنموذج الانساني الذي مازال يحتفظ بلهبه التاريخي.
فالمرأة الشرقية ـ المحجبة، اسيرة الحريم، تجسد بعدا خفيا عسيرا على الادراك، لكنها تمثل جاذبية خاصة، واذا كان عدد من الفنانين الغربيين قد حاول فك رموز الحريم الشرقي المحرم عليهم رؤيته ومعايشته، الا ان (دولاكروا) كان الوحيد الذي وافته الفرصة التاريخية لرؤية (الحر ملك) بالجزائر، وهذه الحالة الاستثنائية لم تتح لاحد غيره من الفنانين. وادرك (دولاكروا) ماهية الشرق الحقيقي في اكثر عناصره غموضا وسحرا، وفور عودته الى فرنسا، شرع في رسم لوحته (نساء الجزائر) معتمدا على الذاكرة و الاستكشافات (الدراسات الاولية التمهيدية) فشخصية المرأة الشرقية، تنضح شاعرية ورهافة ورخاء شرقيا يذكرنا بعالم الف ليلة وليلة، هذا الكتاب الذي كان اول الطريق الى الاستشراق، وبالتالي فن الاستشراق الذي بات مطلوبا ومرغوبا، ليس من قبل الاوروبيين فحسب، بل ومن قبل الشرقيين انفسهم بدليل حركة النسخ والتقليد القائمة على قدم وساق، في حيواتنا التشكيلية العربية المعاصرة، لروائع هذا الفن!!


جريدة الصباح

تمنياتي لكم بالتوفيق والفائدة

بحث

صفحات الشمس

صفحات الشمس
جمال يتجلا